الإفتراء على الحريري أو عدمه... سيّان

‏ جورج بكاسيني

بعد أقل من ثلاثة أسابيع على إقرار خُطّة "تاريخية" لمعالجة أزمة الكهرباء التي كلّفت ‏مليارات الدولارات وعشرات السنوات من التقنين والإشتباكات السياسية بطول البلاد ‏وعرضها، هناك من يسأل: "هل لا يزال سعد الحريري رئيسا للحكومة؟". ‏

وفي عزّ ترؤسه اليومي لجلسات مجلس الوزراء لدرس مشروع الموازنة على امتداد أسبوعين ‏متتاليين سوف يمتدان الى الأسبوع الثالث، ثمّة من يتّهم سعد الحريري بـ"الغياب التام عن ‏المشهد السياسي.. وعن دوره كرئيس للحكومة". ‏

ولكي تكتمل "مشهدية الشيزوفرينيا" السياسية، لا يتردّد هؤلاء في اتهام الحريري نفسه ‏بموافقته على عقد معظم جلسات الحكومة في قصر بعبدا لأنه "لا يردّ طلبا لرئيس الجمهورية ‏ولا يرفع صوتا معترضا"، وكرسيّه في السرايا الحكومية لمّا تبرد بعد وهو يترأس الجلسات ‏المتتالية المشار إليها.‏

‏"عنزة ولو طارت"؟ ربما. فهذا شعار لبناني بامتياز. أما أن تستهجن وسيلة إعلامية ممانعة ‏عدم "ترجمة" الرئيس الحريري "ولو عبر إشارات محدودة" ما سمعه من الاميركيين في ‏الآونة الأخيرة، وأنه "لم يحفظ من رسائلهم سوى رغبتهم في استقرار لبنان"، فهذا لا يمكن ‏تفسيره أو فهمه لا بلغة "الماعز" ولا بلغة الضاد!‏

أما بعد.. فالمطلوب من رئيس الحكومة (وفقا لدفتر الإتهامات المشار إليه) وبعد أن نظّم ‏سلسلة توافقات سياسية لإقرار خطة الكهرباء ومن ثم لإقرار الموازنة، أن يُنظّم سلسلة ‏إشتباكات سياسية جانبية حول "وصلة الكهرباء" في المنصورية. ودهم "أمن الدولة" مبنى ‏جريدة "الاخبار"، تطيح بالتوافقات المشار إليها وبالتالي بالموازنة التي تُعدّ العمود الفقري ‏لمشروعه الإصلاحي ولبرنامج "سيدر"، رغم أهمية الحدثين المشار إليهما وخطورتهما. ‏

فأن يكون رئيس الحكومة "قويا"، وفقا لأدبيات هذه الأيام، هو أن يُسجّل أكبر عدد ممكن من ‏الخلافات السياسية العبثية مع الآخرين، أو أن يُسجّل أكبر قدر ممكن من الإنجازات؟ ولكي ‏يكون رئيس الحكومة "قويا" يُفترض أن يزيد الى الحساسيات و"سياسات النكايات" المزيد ‏منها، أو أن يحمي الموازنة التي تنتظر أكثر من ثلاثين دولة عربية وأجنبية أن تُبصر النور، ‏وسط نقاش صاخب داخل الحكومة وفي الشارع كاد أن يحتاج الى انعقاد  جلسة لمجلس ‏الأمن لكي تشقّ طريقها؟ ‏

وإذا كان معيار "القوة" يعني الإشتباك مع الآخرين، فلماذا لا يسأل هؤلاء المتسائلون عن ‏أسباب تأخير التعيينات، أو يقرأوا مثلا موقف الرئيس الحريري حول المنطقة الإقتصادية في ‏طرابلس، أو تحذيره كل مكونات الحكومة من عرقلة أي مشروع تحت طائلة وقوفه "بوجه ‏أي كان"، أو ما آل إليه موقفه بشأن تعيينات المجلس العسكري..؟ ‏

قد تكون هذه النغمة الجديدة - القديمة مبنيّة على إيحاءات أطلقها بعضهم، هي في الأصل ‏أوهام أساسها ثقافة شعبوية. لكن في كل الأحوال ما يُبنى على وهِم هو الوهم بعينه، وبالتالي ‏فإن الإفتراء على سعد الحريري أو عدمه.. سيّان.